"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

MALENA

 

 

سليم البيك 

 

    كثيرا ما كنت أذهب إلى محل تأجير الأفلام في المخيم لأنتقي منها ما سأسهر عليه، كان صاحب المحل يعرف ما أبحث عنه، وإذا وصله الجديد من الأفلام التي أحضرُها، وضعه في مكانه على الرف، لا يخفيه في الدرْج كتلك التي تصله قبل عرضها في السينما، والتي يَعد بها أصدقاءه قبل غيرهم، بل يعرضه على الرف مطمئنا بأن أحدا لن ينتشله قبلي، فكان فور ظهوري من خلف زجاج الواجهة يراني أنظر إليه فيشير لي بيده وحواجبه وابتسامته إلى الرف الأول في الزاوية المنعزلة من محله، بأن هنالك الجديد منها.

    رفوف أفلام الرعب والأكشن والكوميدي شبه خالية من السيديّات- CD's- ودائما أرى من يقف إليها مجسّدا حيرته، الأفلام العربية وتلك المأخوذة عن أحداث حقيقية أقل حظا من سابقاتها، أفلام الخيال والأساطير تؤجّر بالصدفة أو للأطفال أو لزبون جديد لا يعرف ما ينتقي، أما الرف المفعم بألوان أغلفة الأفلام والغبرة، فهي تلك الأوروبية غير هوليوودية الإنتاج والهوى، والرومانتيك منها خاصة.

    الطريق إلى المحل عبر "شارع الباص" في "مخيم العائدين" في حمص معبق برائحة القهوة والبزورات الطازجة والساخة، ورائحة الخبز التي ما تزال تعبق في أجواء المخيم منذ الفجر، رائحة الفلافل التي تملك تأثير الضبع في جذب الناس إليها حيث كانوا، كلها روائح تشكّل عبقا وغيوما في سماء المخيّم. ومن أرضه تنبعث رائحة المطر شتاء، أوالماء التي يرشّها الناس أمام محالهم وبيوتهم كل صباح وظهيرة ومساء صيفا، تمتزج برائحة تراب وغبرة الشارع. كنت في كل مرة أذهب بها إلى المحل أعد نفسي بأني سأشتري لها من تلك الرائحة في طريق عودتي، وأقراص فلافل "الغنّام" التي سأنهشها وأحرق فمي بها تشغل تفكيري أكثر من اسم بطلة الفيلم الذي سأنتقيه. في طريق عودتي أشتري بخمس ليرات فلافل وبخمسٍ صحن حمّص يقطُر زيتا، و"مخلوطة" ساخنة يخرج من كيسها الورقيّ رائحة مكثّفة حدّ الدخان، وبعض الخبز، أو منقوشتَي زعتر وجبنة، ينسال الزيت كما خيوط الجبنة على الدخان، آكل منها في طريقي إلى بيت جدّي، وحين أصل البيت، أترك ما تبقى منها في المطبخ، كالأكياس والورق وبعض الحمّص والبزورات.

    قال لي صاحب المحل مشيرا إلى فيلم على الرف بأن الفيلم إيطالي وأنني سأحبه. كنت أنظر مليّا في المرأة على الغلاف قبل أن يشير لي إليه، ملامح كالسحر، جميلة بما يكفي لأقف أمامها ربع ساعة بلا خجل من الناس حولي، أتنقل بين الأفلام وأرجع إليها لأصفن بها ثانية. أشار لي إليه وقبل أن يتنهي من كلامه كان الفيلم في يدي، متوجها إليه كي أعطيه الأجرة، وكانت 25 ليرة سورية، أي ما يعادل نصف دولار.

    بعد خمس سنوات،،

    وقبل أسبوع من لحظة كتابة هذا المقال، أعارني صديق لي هنا في الإمارات بعض الأفلام الإيطالية التي قرّر مسبقا بأنني سأحبها، وكثيرا. وثقت به كونه يعرف ما أحب وما لا أحب. هو ابن مخيّم مثلي. ويرى، مثلي، في النساء الإيطاليات جمالا جليليّا. وعقله، مثلي، "منحرف" إلى اليسار قليلا.. ليس قليلا.

    حملت الديفيديات- DVD's- إلى البيت وبدأت بمشاهدتها، أحببت ما شاهدت منها. منذ يومين فقط، مساء، قرأت على ظهر أحدها كلمة MALENA، وكان الفيلم الوحيد الذي أضاع رفيقي غلافه من بين ما أعارني، أو أن أحدا من أصدقائه كان استعار الفيلم منه وأرجعه عاريا من غلافه. قرأت الكلمة ولمعت في رأسي امرأة بجمال لا مبرر له يلبسها من شعرها حتى أصابع قدميها مرورا بالنهدين والركبتين، تذكرتها بدون ملامح، وكان شيئا في لاوعيي أو الركن المعتم من ذاكرتي يقرن، ولسبب مبهم، هذا الاسم بصورة الضباب تلك في رأسي.

    تذكرتها.. مونيكا بيلوتشي.

    شاهدت الفيلم وفكّرت؛ يحقّ لي أن أهيم كالمراهقين في حبّ بطلة فيلم لا أذكر اسمها، ولو ليومين، أو عُمْرين.