"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

في الكبّة النيّة، وعنها

 

 

سليم البيك 

 

    لأنه رمضان، ولأن رمضان يُقرن في "العقل والبطن الجمعي العربي" أولا بالمسلسلات العربية، وثانيا بالأكل وخاصة الطبيخ. ولأن المسلسلات أكلت عليها الجرائدُ وشربت، سأكتب عن "الطبايخ"، وأبدأ بالكبّة النيّة، التي ليست بحال من الأحوال طبيخا، لكنها أكلة مختلفة عما عداها من كل ما يمكن دحشه في الفم فيجد طريقه إلى المعدة ليملأها ويعطي ذاك الشعور المؤقت بالنشوة والاكتفاء.

    هي سيدة الأكلات، إن هبطت على السفرة مدجّجة بالحشوة، أو الحوسي- وهي لحمة مفرومة مع بصل "مبروش" وصنوبر وكله مُغرَورق بالزيت، ومقلي- وبرؤوس الفجل الحمراء والليمون الصفراء، فلا مناص حينها من أم المعارك، وليس بالمعالق والسكاكسين، فلا وقت للصراخ: وين المعالق يا جماعة؟ ولا تأتيك النشوة أصلا في التهام الكبة إلا إن رميت لقمة الخبز- يفضّل إن كان خبز صاج- على الكبّة وهتفت: اسبقيني لاحقك، لتقع بيدك عليها وتنتزع من تلك القبة لقمة من أحشائها، تغمسها في صحن الحشوة، وتفغر فاهك بكل ما أوتيت من قوة ومن رباط الخيل، لتملأ بها الفراغ الكبير المعتم داخل فمك، إلا اللهم من فراغ صغير تتركه لقطعة من الفجل، وآخر إن لزم، لبعض الهواء.

    كنت، صغيرا، أظن بأننا التراشحة- نسبة إلى قرية ترشيحا الجليلية- الوحيدون في هذا العالم الذين يجبلون ويأكلون الكبة النيّة كما أعرفها، إلى أن اكتشفت حقيقة ضيق الأفق هذا، بل وجرّبته لاحقا حين عُزمت على أكلة كبة جشّاوية- نسبة إلى قرية الجشّ جارتنا- بل وعرفت بأن معظم أو كل قرى ومدن الجليل في فلسطين يجبلون الكبّة وكلٌّ بلمسته الخاصة، مما سبب لي نوعا من الإحباط وأنا أرى وأتذوق استلاب "احتكاري" للكبة وانفرادي واستئثاري بها. ولكن، وهو الأهم، سبّب لي كذلك نوعا من الإثارة لفكرة أن هنالك أذواق جديدة من الكبة النيّة بعدد قرى الجليل- المهجّرة منها والمأهولة بأصحابها والمهجّرين- قد أقضي عُمرا عليها كلها، ولكن على تلك الإثارة أن تهمد وتنتظر العودة إلى تلك البلاد فآتي على كببها.

    كان رفيقي في المخيم يدعوني إلى الغداء كلما جبلت زوجته الكبة، ولاحقا، صاروا يجبلون الكبة كلّما أرادوني مشاركتهم على السفرة. رفيقي أبو علاء وزوجته من قرية الجش، والكبّة الجشاوية غير تلك الترشحاوية. كنت كلما أكلت منها، أنتظر إلى أن أنتهي من صحني، أو ينتهي هو مني، لأعطي رأيي بها، وليس قبل ذلك. وإذا انتهيت قلت: والله يا إم علاء هالكبة طيبة، بس.. كبتنا أطيب! ربما كان هذا استفزازي لها كي تعجّل من الموعد القادم لجبل الكبة وآكل أنا المزيد منها. وكبتنا أطيب في كل الأحوال.

    الكبّة الجشاوية ملساء تلمع كنهد مدهون بالزيت، حين تنتزع لقمة منها تبدو وكأنها تتمزق، وذلك لزيادة نسبة اللحمة إلى البرغل، ولأن اللحمة لا تُفرم عن بكرة أبيها. على عكس الكبّة الترشحاوية، فنسبة البرغل عندنا أزود قليلا واللحمة مطحونة ناعمة فتبدو الكبةُ كتلةً من مسامات، كنهد امرأة "مأشعر بدنها". وفي الحالتين تستقرّ الكبّة على الصحن بشكل قبّة. وقد تلفّ النساء الجليليات الجابلات بعض الكبة على أصابعهنّ لتتخذ أشكالها ثم يصففنها على صحن لتسمّى بالـ"عرايس"، ويقلن لأطفالهن: تعى يمّا خدلك هالعروس.. وين رايح عزا.

    حين تحضر الكبة على السفرة لا أقرب غيرها- والكلام دائما عن الكبّة النيّة وليست الكبة بلبن أو بالصينية- حتى وإن تواجدت جحافل شيخ المحشي واللبن إمو والمفتول والصيادية والملوخية، ولكل منها مكانة في قلبي وبطني ولكن ليس إن حضرت سيدتهم. قد أتأمل قليلا ما تواجد منهم قبل انعزالي واعتكافي الحتمي على كبّتي.

    وهذا تماما ما حصل معي أثناء كتابة مقالي هذا، حين حضرت الكبّة فسيطرت. بدأتُ بنيّة الكتابة عن الأكل الرمضاني، عن الطبيخ خاصة، فوجدتُني أسترسل وأنهي بنيّة أخرى، بالكبة النيّة.