"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

أبوظبي.. كمدينة ثقافية

 

 

سليم البيك

 

    بتسارع ملفت، بدأت أبوظبي برسم حدود واسعة لها على خارطة المدن الثقافية في المنطقة، وإن حافظت هذه المدينة على وتيرتها في التقدم ثقافيا، فقد أبدأ لاحقا مقالا آخر بذات السطر الافتتاحي، مع استبدال كلمة "المنطقة" بأخرى أعم وأشمل.

    لن أسرد هنا الأنشطة والمشاريع الثقافية التي أقيمت في المدينة خلال السنتين الماضيتين، سأشير فقط إلى حدث واحد انتهت فعالياته مؤخرا، وهو مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي الذي أقيم في أكتوبر، وإن كان لي تحفظا أزليا على لفظة "الشرق الأوسط."

    عروض المهرجان لم تُحصر بالـ"نخبة" من فنانين ونقّاد مّمن يتلقون الدعوات ويستمتعون بفكرة الحدود الغليظة التي تحول بينهم وبين عامة الناس. فقد أقيمت عروض المهرجان للناس، ومنهم من لم "تاخد إجره على السينما"، والبديلة منها خاصة، ومما جعلني أقول ذلك هو، مثلا، سعر التذكرة؛ 10 دراهم في العروض المقامة في دور السينما- وإن ذهبت إلى شباك التذاكر قبل بدء الفيلم بدقائق، فقد تحصل على التذكرة مجانا. أما بالنسبة للعروض المقامة في قصر الإمارات، فهي مجانية. وهنالك إمكانية الحصول على تذكرة واحدة لحضور جميع العروض وهي بتكلفة 100 درهم، تكفي لحضور أكثر من مئة فيلم خلال فترة المهرجان الممتدة لعشرة أيام، وهذا السعر بالمناسبة بالكاد يكفي لحضور فيلمين فقط- مع بوب كورن إكسترا وعصير أو كوك- في أي من دور السينما في المدينة خارج فعاليات المهرجان.

    هي كذلك فرصة مهمة للناس كي يتعرّفوا على أفلام بديلة قادمة من أكثر من 35 دولة لتكسر، ولعشرة أيام فقط، احتكار الأفلام التجارية الهوليوودية التي تعتمد بأغلبيتها الساحقة على المؤثرات والتقنية، لا الإبداع واللقطة والقصة والمضمون، فهي فرصة للتعرف على ثقافات وحضارات ورؤى سينمائية جديد، وفرصة للإعجاب بفيلم لسبب غير الإنبهار. هنا أسأل: ولكن أين دور العرض من هذه الأفلام خارج إطار المهرجانات؟

    ما يدعوني كذلك للتفاؤل هو نوعية الأفلام المعروضة، وقد صنّفت ضمن عدة برامج: "العروض الخاصة" ويتضمن أفلاما لكبار مخرجي السينما العالمية والتي تتناول العلاقات وقابليتها الشديدة للكسر والتحديات التي تواجهها والمساومات التي تتضمنها. "الروائي"، "الوثائقي"، "مهرجان المهرجانات" ويعرض تشكيلة من أهم الأفلام الحائزة على الجوائز العالمية في المهرجانات الكبرى عام 2008. "الحفاظ على البيئة"، كما أن هنالك برنامجين خاصين هما "مخرجات من العالم العربي" و"فلسطين في السينما".

    المثير للاهتمام في برنامج "فلسطين في السينما" أنه يعرض أفلاما لمخرجين من إيطاليا والسويد وكندا وسويسرا وهولندا والدنمارك والمملكة المتحدة وألمانيا، أفلاما تتناول القضية الفلسطينية، من زوايا تختلف عنها في أفلام لمخرجين عرب، أقول تختلف الزوايا ولا تختلف النظرة لقضية عادلة، وقد تكون هذه العدالة أوضح للمشاهد الغربي في أفلام أوروبية كونها أتت كطرف ثالث في الصراع كما سماهم المخرج قيس الزبيدي منسّق البرنامج، طرف مقرّب منهم ثقافيا على الأقل. الأفلام هذه أولا متضامنة مع قضيتنا وذلك إما عن وعي كامل وسبق إصرار وترصّد و"فلسطينية" عالية وهي بمعظمها كذلك، أو عن مجرد نقل سينمائي وموضوعي للحقائق فيما يخص القضية، وفي كلتا الحالتين لن تكون على الحياد، فقضيتنا عادلة بما يكفي لينحاز لها الحياد. ذكرتُ أهمية الأفلام عند المشاهد الغربي بالذات كون الصالة لم يهتد إليها غير الأجانب، ولا نحتاج فراسة كي نعرف بأنهم كذلك، وفلسطينيين، عرفت ومن معي بعضهم: هذا أبو فلان وتلك خالة فلانة وهذه تعمل في كذا وذاك شو اللي جابو لهون..، كما اهتدى بعض من العرب المهتمين إما بالسينما كسينما، وإما بالقضية التي ما تزال عند الكثيرين من العرب قضيتهم المركزية.

    لن أتجاهل انحيازي إن كتبت عن أبوظبي، ولكني متفائل جدا، ومبسوط كذلك، بهذه اللفتة الحديثة والجادة، ولكن المتأخرة، إلى ضرورة الثقافة- ومنها السينما- لحياة الناس هنا، وبمحاولات القيّمين في المدينة للنهوض بها ثقافيا في برنامج يجعل من أبوظي مدينة ثقافية ريادية عربيا، وقريبا جدا، المدينة العربية الريادية ثقافيا.