|
سليم البيك
الكثير منا
يحب محمود درويش، هو وشعره ونثره. والكثير يحب
التقرب إليه، إلى اسمه، إلى قصائده، إلى كل ما
يخصه وهو أجمل من كتب لفلسطين. والأكثر يحب قصائده
ملحنة مغناة كما يحبها ملقاة بصوته هو، وبنبرته
الدرويشية الحاسمة كحد شفرة.
بعد موت
درويش، طفت على السطح عقدة أوديب لدى الكثيرين،
ففجأة صار الجميع- ومنهم من كتب مقاله الأول وكان
عن علاقته بدرويش- أصدقاء درويش المقربين ويكتبون
مقالات "عنهما"، وتعمشق الكثير على اسم درويش
وقامته العملاقة علّهم ينالون بعضا من الارتقاء
بتعمشقهم هذا، وهو ما رأيت فيه عقدة أوديب في قتل
الأب، فشاعر هنا ينشر مقالا "عنه ودرويش" بُعثر
بهلوسة عبر الإنترنت، مرفقا بصورة يَدحشُ هو نفسَه
داخل إطارها إلى أقرب ما يمكن من درويش ويحملق في
الكامرا بابتسامة متكلّفة، ودرويش ينظر إلى غير
جهة، بعيدة تماما عن الكاميرا. وشاعر هناك-
فلسطيني- في احدى الأمسيات الشعرية في أبوظبي، صار
كلما خطر له أن يذكر اسم درويش، أثناء تقديمه
للأمسية، دحش اسمه قائلا: محمود درويش (هنا
يستدرك!) وأنا كشاعرَين... فيضع "شاعرنا" اسم
درويش واسمه في سلة واحدة وكأنهما من ذات الحرفة
أو الحزب أو المَلكة أو مهما يكن، فهنالك ما يجمعه
بدرويش، مما لا يجمع أيا من الحضور به، والنتيجة
أن هذا الشاعر هو الأقرب إلى درويش من بين الحضور،
وأنه المعنيّ الأكبر به كما أراد الناسَ أن تفهم.
وهنالك من كتب مؤخرا مقالا عن أوجه الشبه بين
والدة درويش ووالدته وبينه- كونه ابن والدته- وبين
درويش- كونه ابن والدته.
يا جماعة
اتركوا درويش ووالدته يرقدان بسلام، ويكفيه ما
ناله من عقد أوديب التي فرّغها الكثيرون بقامة
درويش منذ وفاته لحساب "اسمهم" على حساب اسمه بربط
الاسمين معا بأسلوب طفولي. فإن كان درويش يقضي كل
هذا الوقت مع كل "أصدقائه" هؤلاء- وهنا لا أتكلم
عن جميع من كتب عن علاقاته ومشاويره ووشوشاته مع
درويش- فمن أين حصل على وقت للوحدة وآخر للوحي
وآخر للكتابة وآخر لآلامها، ودرويش المعروف عنه
العزلة وميله إلى وحدة قد تكون مزدحمة، ولكن ليس
بهؤلاء "الأصدقاء الكتّاب"، وهم بالمناسبة أكثر من
أصدقائي على الفيس بوك.
***
صدر مؤخرا
ألبوم "قيثارتان" لسميح شقير، يغني فيه قصائد
لدرويش. قبل الكتابة عن الألبوم، لا بد أن أذكّر
بأن شقير نأى بنفسه وصانها عن الغناء الاستهلاكي
وأنه ممن واصل "عناء" الغناء الملتزم بقضايا وطنية
اجتماعية بالرغم من تسونامي روتانا وأخواتها
المدمِّر ثقافيا وفنيا. ولكن فلنتفق بأن ليست كل
أغنية ملتزمة هي بالضرورة أيقونة- كما يعتقد معظم
"المثقفين الملتزمين"- يحرّم نقدها أو نشر رأي بها
قد يكون مخالفا "للرأي العام".
أبدأ بغلاف الألبوم؛ خلفية سوداء وصورة لوجه شقير
ظهر منه نصفه، على يسار الغلاف، وأخرى لوجه درويش
ظهر أيضا منه نصفه على يمين الغلاف، وكلمة
قيثارتان تتوسطهما. شقير بقميص فاتح وجاكيت غامق
يكاد يظهر، ودرويش بقميص فاتح أيضا وجاكيت غامق
وأيضا يكاد يظهر. الفكرة الوحيدة التي يمكن الخروج
بها هنا، خاصة بوجود كلمة قيثارتان، هي التناظر أو
التقابل وهو ما يشير إلى أن كلمات درويش وألحان
وأداء شقير متقابلان بذات العمق والقوة والجمال
والرقة والسمو، وهو ما لم ألحظه في أغنيات الألبوم
وإن حاولت جاهدا كي ألحظ شيئا منه، وهو بالتالي ما
رأيته تعمشقا على قصائد درويش والاتكاء عليها. أما
صورة درويش على الغلاف فهي سببٌ كاف لشراء معظم ما
قد يُشترى- أو لتحميل (download) معظم ما قد
يُحمّل- خاصة وإن عرف الشارون/المحمّلون بأن أغاني
الألبوم كلها قصائد لدرويش وأن الألبوم أهداه شقير
لروح درويش، وهذه لفتة جميلة منه بالمناسبة. كما
أنّ لسميح شقير وأسلوبه في الغناء معجبون
سيشترون/يحمّلون كل جديد له بغض النظر عن كلمات
أغانيه أو صورة الغلاف.
الموسيقى بدت
غير منسجمة مع الكلمات، وبعض الكلمات بدت وكأنها
مقحمة على اللحن أو الأغنية، والحقيقة أن شيئا ما
في التوزيع أو التلحين ما كان ليتكيّف مع كلمات
القصائد فبدت معظم الأغاني- وليس جميعها- كتلك
القصائد التي يلقيها شعراؤها مرفقة بخلفية
موسيقية- عادة مقطوعة كلاسيكية- جاء اختيارها
بصدفة غير موفقة، وأحيانا كثيرة يصوّر ذلك في
استديو يغصّ بنباتات وأزهار بلاستيكية.
جميلة جدا
مبادرة شقير في ألبوم قيثارتان، إلاّ أن الاستعجال
بها والتلحين والغناء والخروج لنا بالألبوم الآن
بعد أشهر من وفاة درويش، كان لها أثرها الواضح في
التلحين والأداء المتكلّفين نوعا ما والمستعجلين،
خاصة وأن بعض الكلمات كما في أغنيتي "الحصان"
و"سقط القناع" قد سمعناها مغناة بأصوات أخرى وقد
استقرت في الذهن لما فيها من جمالية -كلمات ولحن
وتوزيع وأداء- وذلك بغض النظر عن القصيدة التي
أعطتها الأغنيةُ جمالا إضافيا، لا تعمشقت عليها
ورمتها بعبئها.
كل الاحترام
للخط الوطني الملتزم لأغاني شقير، وكل الاحترام
لمبادرته في غناء قصائد لدرويش وإهداء الألبوم
لروحه. لكن درويش وقصائده تحتاج عملا أكثر ترويا
وإحكاما وإتقانا، خاصة وأن هنالك صورة لدرويش على
الغلاف الأمامي، وعلى الغلاف الخلفي هنالك سطر
يقول: "شعر: محمود درويش".
|