"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

"القدس العربي"
كل سنة وأنت سالمة

 

 

سليم البيك 

 

    أكملتْ "القدس العربي" قبل أيام عامها العشرين. قد يستغرب أحدنا أنّ عشرين عاما فقط هو عمر هذه الجريدة النحيلة، فالوقع والرنة التي يحدثهما اسمها لا تسببهما إلا مؤسسة إعلامية ضخمة متشعبة ما بين المقروء والمسموع والمرئي، تقودها ألوية ويأتمر بأمرها جنود من الصحافيين والإعلاميين، و"القدس" ليست كذلك. ومصداقية وجرأة جريدة كهذه لا تكاد تقدر على حملها جريدة في عقدها الخمسين أو الستين، و"القدس" أيضا ليست كذلك. ومساحة الحرية الممنوحة لمحرريها وكتّابها تكفي لحظر الجريدة في معظم الدول العربية بطبعتها الورقية ونسختها الإلكترونية.

    وما تزال في العشرين.

    ما يمكنني قوله هنا وعن تجربة شخصية من خلال ثلاث سنوات من الكتابة في الجريدة هو حتما حرية الكتابة وجرأة النشر، وهو ما يميزها عن باقي زميلاتها. والقدس العربي تُعرف بأنها الجريدة الخالية من الإعلانات، ولهذا علاقة بتينك الحرية والجرأة.

    لكن كيف تستمر بلا إعلانات كما يسأل بعض الخبثاء؟

    الجريدة بلا إعلانات إذن. مقارنة مع ما ألمسه هنا من صحف- خليجية مثلا- ذات جودة طباعية عالية وتغصّ بالملاحق ومكدّسة بالإعلانات، يمكنني أن أقول بأن نوعية الورق والطباعة في جريدة القدس العربي يرثى لها، ومؤخرا فقط صارت الصفحة الأولى والأخيرة فيها ملونة. الجريدة تبدو حين أجدها على رفوف المكتبات هنا في أبوظبي، كمن أصابها فقر دم حين تُصفّ إلى جانب الصحف السّمان بملاحقها اليومية من الإعلاني إلى العقاري إلى الاقتصادي إلى الرياضي، هذا عدا عن الملاحق الأسبوعية التي يتجاوز عددها عدد أيام الأسبوع، وفي بعض الصحف تجد كل صفحات كل الملاحق ملونة وبجودة عالية، وجميعها طبعا لا يترك أثرا لحبر على أصابعك.

    هذه نتيجة ارتكاب "القدس" المزيد من الجرأة والحرية منذ سنتها الأولى وحتى العشرين، ورفضها أن يتحكّم بها مزاجُ أو سياسةُ معلنٍ أو إعلانُ سياسيٍ يدفع لها أجر طباعة ملونة عالية الجودة وبمئات الصفحات.

    في المقابل، القدس العربي تعد الجريدة العربية الأجرأ والأكثر مصداقية واستقلالية والأكثر حرية فيما يخص النشر. أقول ذلك كمتابع، ومن تجربتي ككاتب فيها ولأني كذلك لن أضيف أكثر هنا، ولكنها النتيجة المنطقية لجريدة قرار صدور العدد القادم لها وما يحتويه يعود لمحرريها لا للمعلن أو السياسي، الوصي، مهما كان "دفّيعا".

    ولكن هل اكتملت المعادلة هنا؟ ليس بعد؟

    الجريدة كما نقول بالفلسطيني "مشحّرة"؛ طباعة ونوعية ورق متواضعة، مكتبها عبارة عن شقة صغيرة فقط، موقعها على الإنترنت محظور وهي ممنوعة من التوزيع في معظم الدول العربية، ومن الطباعة في جميعها، حصار سياسي، وتهديدات طالت رئيس تحريرها عبد الباري عطوان، وحملات تشنها عليها وعليه طوابير صحافية وإعلامية تابعة لأنظمتها. كل ذلك ضريبة الخط التي اتخذته الجريدة لنفسها وحافظت عليه طوال العشرين سنة. وكي أكمل المعادلة أقول بأن الجريدة لا تدفع لكتّابها، قد لا أكشف سرّا هنا إن قلت بأن الكتابة للقدس العربي هو كالالتزام الأخلاقي لا الوظيفي كما في صحف أخرى تسعّر المقالات وتشتريها وقبل ذلك تساهم في صياغتها ثم تعيد تحريرها أو أحيانا تعيد كتابتها. أمر آخر: "القدس" لا تطلب من كتّابها أن يكتبوا في عيدها، هذا أيضا التزام أخلاقي.

    في عيدها العشرين تبدو القدس العربي أكثر جمالا، نحيلة وشاحبة بعض الشيء، لكن من أين لها الجمال والإشراق إن لم تكن كذلك؟

كل سنة وأنت سالمة، وعقبال الـ 120.