"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

حالة فلسطينية طبيعية جدا.. خاصة جدا

 

 

سليم البيك 

 

    أزعجني أن الكبّة النيّة لا تعنيهم بهذا القدر. نجتمع كل فترة في بيت أحدهم أو احداهن لنقيم أمسية فلسطينية بامتياز، مجموعة شباب وصبايا حلوين، الصبايا بس الحلوين أما الشباب فخناشير. نأكل، نشرب، نجلي، نغنّي، نقرأ، نتصوّر، نتزانخ، نتكلّم عن فلسطين، عن كل ما يخص هذه البلد: في السياسة والتنظيمات طبعا وأولا، في الأدب والفن والحياة، وأحيانا يكون أحدهم قادما من إجازة في الضفة فيحمل لنا قصصا تبدأ من "الجسر" ذهابا وتنتهي في "الجسر" إيابا.

    معظمهم من الضفة- لا بأس ببعض المناطقية الحميمة- لا تعنيهم الكبة كثيرا، ويمجّدون المقلوبة والمسخّن والمفتول وأحيانا الملوخية. لا أنزعج كثيرا فمسألة "شو حابب تاكل المرة الجاي" عندي مجرّد أولويات، ولن أحوّلها لخلاف مناطقي/تنظيمي مسلّح. وأنا أصلا لا أطلب أن نأكل كبة لأني لا آكل كبة غير ترشحاوية بعد أن ذقت الترشحاوية مرة، وكل مرة.

    أحيانا تزيد مناطقيتنا الفلسطينية عن حدودها- كما حدث معي قبل سطرين- ولكنها تبقى حميمة وجميلة وسلميّة، وضمن نطاق إطلاق النكات على أهالي المناطق الأخرى، المجاورة خاصة، وكذلك صعوبة الزيجات بين المناطق، وهذه الأخيرة تلاشت مناطقيا، ولكنها، أي صعوبة الزيجات، بقيت نسبيا حاضرة وصامدة طائفيا وربما تنظيميا.

    كانت احدانا من طولكرم، لكن والدتها من يافا، فكان الحديث حينها تحديدا عن مدرسة في يافا هي المدرسة العربية/الفلسطينية الوحيدة هناك، وعن الصعوبات التي تواجهها المدرسة في ظل الممارسات اليومية في تهويد المدينة وحرمان أبنائها وبناتها من التعلّم في مدارس عربية، عدا عن الصعوبات المالية التي تهدّد بإغلاق المدرسة.

    مدرسة يافا العربية الديمقراطية، هذا اسمها. هل كنّا لنتحدّث عن يافا أو مدرستها لو لم يكن أحد الحاضرين من هناك؟ كنت سأستغل الفرصة- كما دائما- وأحدّثهم عن ترشيحا قبل أن يتنطّح لي أحدهم فيحكي عن بلده! على كلٍّ، فلنترك الآن موضوع المناطقية، لمقال آخر ربما، ولنرى ما موضوع "الديمقراطية" هذه.

    هل توجد مدرسة في العالم يتضمن اسمها كلمة "الديمقراطية" في غير فلسطين؟ وهي كما عرفت مدرسة تبدأ من الصفوف التحضيرية إلى الابتدائية إلى الاعدادية، وإن تخطت الصعوبات، إلى الثانوية. إذن قد يُسأل أحد أبناء تلك المدرسة: بأي مدرسة انت يا شاطر؟ فيجيب: مدرسة يافا العربية الديمقراطية. أين يمكن أن نجد طفلا في مرحلة "الكي جي" تتكرر كلمة "الديمقراطية" على لسانه بقدر ما يتردد اسم مدرسته؟

    وهذه الحالة قد تخصّ فلسطين وحدها، وكلّها، ليس عروس المتوسّط، يافا، فقط. وفي فلسطين أيضا، وإلى جانب مدرسة يافا العربية الديمقراطية، قد نجد قريبا مدرسة أخرى باسم: مدرسة يافا العربية الديمقراطية لتحرير فلسطين، ولاحقا أخرى: مدرسة يافا العربية الديمقراطية- القيادة العامة، وأخرى: مدرسة يافا الشعبية لتحرير فلسطين، وأخرى: مدرسة أبناء البلد يافا، وأخرى ذات توجه وطني تطالب بالقرار السياسي السيادي المستقل فتكون: مدرسة يافا الفلسطينية، لا العربية، فيلجأ ذوو التوجه العروبي إلى تسمية جديدة نكاية بهم: مدرسة يافا القومية العربية، ولا يخلو الأمر من شيوعيين: مدرسة يافا الشعب- الشيوعي سابقا. وعلى سيرة الشيوعي ستكون هنالك على خط مواز: مدرسة يافا الديمقراطية للسلام والمساواة. ويقابلها تماما، وفي باحة القوميين: مدرسة يافا الوطني الديمقراطي، وفي الجوار: مدرسة يافا العربية للتغيير. والإسلاميين أين سنفلت منهم: مدرسة ومسجد يافا لتحفيظ القرآن الكريم. وربما أيضا: مدرسة فتح يافا- أبو عمّار، وأخرى: مدرسة فتح يافا- أبو موسى، وطبعا: مدرسة يافا الصاعقة، ومدرسة يافا التحرير، ولا بأس من مدرسة يافا السورية القومية الاجتماعية، وذوو التوجه الإسلامي سيدحشون اسم حماس بين كلمتي "يافا" و"لتحفيظ". وأخيرا وليس آخرا: مدرسة مبادرة يافا الوطنية.

    وطبيعي أن كل مدرسة ستّتبع تيارا فكريا/سياسيا معينا، بين الماركسية والليبرالية والقومية والإسلامية وشيئا خامسا يكون اختراعا فلسطينيا بحتا. ولا يُستبعد أن يكون لكل مدرسة كتائبها الخاصة، والشبيبة والـ NGOs الخاصة، وموقع على الإنترنت وفان بيج وجروب على الفيسبوك وجروب قديم على الياهو. وأعلام المدارس حمراء صفراء خضراء سوداء برتقالية تركواز. ولكل منها رموزها الخالدة وشهداؤها وخريجوها وأسراها ومختطفوها لدى المدارس الأخرى. وقد تنشأ تحالفات، كجبهة اليسار لمدارس يافا، أو أوسع من ذلك فتكون منظمة التحرير، ومجلسها الوطني مؤلف من الهيئة التدريسية في جميع المدارس، باستثناء ذات التوجه الإسلامي طبعا، ولجنتها التنفيذية من مدراء المدارس وبعض الإداريين، وستتجمد عضويات أكثر من مدرسة وستُحرم من العضوية أكثر من مدرسة وستستأثر مدرسة واحدة بكل المواقع القيادية في المنظمة وستتماهى هذه المدرسة مع المنظمة وستعقد الأخيرة مؤتمرا تُرفَع فيه الأيادي وتُُسقَط فيه وثيقة استقلال المدارس عن تل أبيب، وستعارضها معظم المدارس الباقية، وستنشأء تحالفات جديدة قديمة وسيلعنون سنسفيل بعضهم بعضا.

    لكنهم جميعا، لن يرفعون السلاح في وجه بعضهم، ستبقى الكتائب كلها داخل الصفوف المدرسيّة، لا تخرج منها إلا جنوبا، إلى تل أبيب.