|
سليم البيك
في حياتنا ما
يكفي من مآسٍ لنتوسّل السخرية في الحديث أو
الكتابة عن كل ما يخصّ فلسطين. لكن المأساة الأكبر
هنا هي أن تحوم تلك السخرية حول فلسطين دون أن
تَقرب فلسطين نفسها: المكان.
نسخر نحن
الفلسطينيين من الوضع برمته، من الفصائل وقادتها،
من السلطة قبل كل شيء، من محتلّنا، من شعبنا نفسه،
نطلق النكات بلا تحفّظ على أهالي معظم المناطق في
فلسطين، مدنا وقرى. نسخر من شتاتنا بين الخارج
والداخل:
في الخارج
هنالك من هم في المخيمات الواقعة على التخوم من
فلسطين، وهنالك من هم في البلاد المجاورة ولكن
خارج المخيمات، وهنالك من هم في الخليج، ومن هم في
ألمانيا وكل أوروبا، ومن هم في تشيلي وكل أمريكا
الجنوبية، ومن هم في كندا وأمريكا، ومن هم في
آسيا. أما في الداخل فهنالك أهل القدس، وكنا نقول
"قديما" بأن هنالك أهل الضفة وغزة (معا)، أما الآن
فنقول بأن هنالك أهل الضفة وهنالك أيضا أهل غزة
(كل على حدة)، وهنالك أهل الـ 48، وإن اقتربتُ
أكثر من الواقع سأقول بأن هنالك أهل الجليل وأهل
المثلث وأهل النقب، وضمن الـ 48 أيضا هنالك أهل
القضاءات، وأهل المدن وأهل القرى، والمهجّرين،
وذات الشتات تماما في الضفة وكذلك غزة- إضافة
لشتات فتح/حمساوي- فهنالك أهل المخيمات وأهل القرى
وأهل المدن وأهل أوسلو القادمين مع عرفات. وكما في
الخارج تماما، فهنالك، في الخليج مثلا، أهل الضفة
وأهل غزة وأهل الوثائق اللبنانية وتلك السورية
وتلك المصرية وأهل الجوازات الأردنية، وفي
المخيمات أيضا: هنالك المقيمين في المخيم، وهنالك
أهله القادمين من الخليج، وأهله القادمين من بلاد
أجنبية، ودائما هنالك في كل مكان من جرّب معظم ذلك
أو بعضه.
الجردة
السريعة هذه لحالة الشتات الفلسطيني، وتأثير ذلك
سيكولوجيا وأنثروبولوجيا جماعيا وفرديا على
الفلسطينيين، تشكل سببا أكثر من كاف وضروري
لسخريةٍ ما من هذا الوضع الشاذ عالميا، ومن هذا
الشعب ولعله الأكثر تشتّتا وانتشارا في العالم،
داخل الأرض المحتلة وخارجها.
وتلك السخرية
صحيّة بالمناسبة، وديمقراطية، أما ما لم نصله بعد
فهي السخرية من المكان الفلسطيني. لا أقول بأني
أستحضر مآسيَ أكثر وأفجع تتطلّب سخرية لم نختبرها،
فلدينا من المآسي ما يفيض عن حاجة شعب كامل، لكن
المأساة الآن هي أن لا تكون كامل سخريتنا بحجم كل
مآسينا، فحينها قد يكون هنالك خلل ما في الاستجابة
للحالة الفلسطينية ومآسيها.
قد يكون أبرز
الأمثلة على ذلك هي حرمة (تحريم) السخرية من
المكان الفلسطيني. هل يحدث ونجرؤ أن نتخيل أن
أحدنا قد يسخر من حيفا، أن يسخر من بيت لحم، من
غزة، من القدس؟ قد يسخر أهل حيفا الباقين فيها من
حيفا، بل يفعلون، ويسخر أهل عكا الباقين فيها من
عكا، ويسخر أهل بيت لحم من بيت لحم، وأهل القدس من
القدس. لكن، هل يسخر أهل حيفا اللاجئين، من حيفا؟
أهل صفد اللاجئين، هل يسخرون من صفد؟ أهل القدس
المسحوب منهم هويتهم الزرقاء- وهم كثر- هل يسخرون
من القدس بعد منعهم من دخولها؟ هذه من المحرمات
النفسية والبديهية التي تفرض جوابا حتميا بالنفي.
هل يسخر
اللاجئ- أو المنفي- من بلده، أم أن حميمية العلاقة
بينهما لم تصل إلى هذا الحد؟ هل يمون اللاجئ على
بلده أم أنه غريب عنها/عليها فيحرص على العلاقة
الحذرة الهشّة بينه وبينها؟ خلافا لابن البلد
المقيم فيها الذي إن شتمها فعلى قلبها أحلى من
العسل. هنا المأساة الإضافية التي لا نعيها ربما.
أو التي، بكل بساطة، لم ننتبه إليها في زحمة
المآسي التقليدية، قد أُلام الآن فيُقال: ناقصينك
نحن؟! جاي تقوللنا شو في عنّا مصايب رايحة عن
بالنا؟!
لكنها حقا
مأساة وليست أقل من "زميلاتها". هذا الحاجز النفسي
والاستقرار العاطفي اللذان يمنعان ابن الغابسية
اللاجئ في مخيمات لبنان من أن يسخر من الغابسية،
هذه العلاقة الرسمية الرومانسية بيني وبين ترشيحا
التي تحول دون سخريتي منها، هذا البعد وهذه الغربة
بين ابنة الجش اللاجئة وبين الجش، واللذان يخلقان
صورة مقدّسة للقرية تحرّم على ابنتها، لا فقط
التفكيرَ بموضوع السخرية "الأحمق" هذا، بل ربما
إكمالَ مقالتي هذه.
عجزُنا عن
السخرية من فلسطين/المكان، هو أولا نتيجة لحالة
البعد والشتات، ما يفسّره سخرية ابن عكا المقيم في
عكا وفي حي الفاخورة من عكا ومن حي الفاخورة
نفسه-وأيّما سخرية؟- وهو ما أجده أنا، ورغم ما
"أنظّر" عليكم به هنا، بأنه: عيبْ وبصرش تحكي هيك
عن البلد. إذن عجزنا هو أولا نتيجة لحالة الشتات
الأولى والممتدة لـ 61 عاما حتى اليوم ( ما يقارب
الـ 22300 يوما في حالة ترشيحا)، وهو ثانيا سببا
لتكريس حالة الشتات هذه، وسببا "لتقديس" هذا البعد
عن الوطن بتقديس الوطن وأيقنته وبالتالي تكريس
بعده. علاقة جدلية قد نكون عالقين بها ولا مخرج
لنا منها إلا بطريق(ة) واحد(ة).
الموضوع أبعد وأعمق مما أحاول تبسيطه في ثلاث
صفحات A4 أو في عمود في "القدس العربي"، وأنا لا
أقدم حلا هنا، فقط أطرح المشكلة/المأساة، ولو وجدت
الحل في غير عودتنا إلى البلاد لما فرّطت في طرحه.
على كل حال أنا لم أضف مأساة جديدة إلى
الفلسطينيين، واللاجئين منهم تحديدا، بل حاولت
الإشارة- وفَعلها غيري- إلى مأساة موجودة أساسا
ولم نكن منتبهين إليها بما يكفي. كتّر خيري
والله؟! نحن ناقصينّي؟!
وبالمناسبة،
أنا هنا "أنظّر" عليكم، لأني، شخصيّا، حتما لن أجد
ولن أوجد لنفسي طريقة أو منفذا أو فرصة للسخرية من
أي مدينة أو قرية أو خربة في فلسطين، أعي تماما
بأنها مأساة ولكني أبدو متكيّفا معها، هي حالة
اللجوء ربما. وإن وجدتُ، أصلا، فرصة للسخرية فلن
أرتكبها، لن أقدر على ذلك.
أجمع الفرص
كلها إلى أن أعود.
وحينها، لي
حساب آخر مع البلد.
|