|
سليم البيك
دخل البعض إلى
ساحة المعرض مُصوَّبا مباشرة إلى اللوحات التي سمع
أنها لنساء عاريات، دون المرور بما تقدّمها من
لوحات ولو مجاملة. أحدهم دخل متأخرا إلى المعرض
ولفّ فيه بسرعة يتلفّت يمنة ويسرة، لم يجد
اللوحات، فخرج متمتما. بعض آخر، وكجماعات، خرجوا
من المسجد المجاور إلى المعرض والشر ينزّ من
وجوههم ويقطر من لحاهم. ردود الفعل الأقسى كانت من
"زعران متعارف عليهم" حيث أرادوا، بهمجية، نزع
اللوحات لأسسباب "أخلاقية". أما متى كان "الزعران"
حرّاس الأخلاق العامة يفزعون لها أنّى تهدّدت،
ومتى كان المتديّنون نقّادا تشكيليّين يفتون في
جماليّاتها، فلا فكرة لدي. يبقى هنالك من عبّر عن
اعتراضه بهدوء وصدق كون اللوحات، حسب رأيهم، لا
تنسجم مع بيئة المخيم المحافظة.
معرض تشكيلي
أقامته رابطة الفنانين التشكيليين الفلسطينيين
بحمص قبل حوالي الشهرين، ضمّ لوحات لفنانين
فلسطينيين من المخيّم وخارجه، وكان ذلك في ساحة
المخيم الرئيسية قرب الجامع. ثلاث لوحات، ضمن
العشرات، كانت لنساء عارية، وهي ما أثارت سخط بعض
زوّار الدقائق الأولى، ما اضطر الفنان، وهو شاب من
أهالي المخيم، أن ينتزع لوحاته وينسحب من المعرض.
ما إن رُويَت
لي القصة، حتى توجهت إلى بيت "مرتكب" اللوحات (
وأعضاء من الرابطة وبعض من حضر وقتئذن) لأعرف أكثر
عن الموضوع، ولأرى اللوحات. توقعت دقة "واقعية" في
تصوير الثدي والحلمة، توقعت أن يظهر الفرج
بفضائحية جميلة- كما في لوحة "أصل العالم" لغوستاف
كوربيه الواقعي الفرنسي- لن أكون ضدها فنّيا رغم
أنها ستكون صادمة إن عرضت في مخيم، لأجد اللوحات
قريبة من التجريد، تعتمد الظل في تحديد انحناءات
الجسد، ولا حلمات ولا فروج فيها، هي انحناءات
تشكّل عنها أجساد لها أثداء وزنود وبطون وأفخاذ
ورؤوس وجوهها بلا ملامح، حتى ألوان الأجساد ما
كانت "لحميّة". لا يمكن تجاهل جمالية اللوحات
الثلاث، بغض النظر عمّا قد يضيف عري المرأة فيها،
لكن "زعران" المخيم أبوا إلا أن يثبتوا حضورهم
"أخلاقيا" في هذا المخيم الصغير.
المخيم
بالمناسبة لا يقارن بمدينة، بل بحارة، وكي أوضح
أكثر لمن لا يعرف المخيم: فالمعرض لا نقارنه
بمعارض في صالة في وسط المدينة حيث يأتيه الزوار
من أطراف ومركز المدينة، إن تعرّف أحد على أحد
هناك فللاهتمامات الفنية المشتركة لا لجيرة أو نسب
أو قرابة ما، عدا عن أن "زعرانا" ومتديّنين لن
ينبثقوا في صالات كهذه. هو أقرب لمعرض أقامه أهالي
حارة صغيرة في احدى المدن، وكان في الهواء الطلق
مقام على الجدران، زواره من أهالي الحارة نفسها
وبعض المهتمين وربما الصحافيين. رغم ذلك، فردود
الفعل كانت مغالية لأسباب تفوح منها رائحة
فصائليّة لا تخصّ الفن ولا الأخلاق: ابحث عن
الفصيل.
رد الفعل
"النخوجي" الأول صدر عن مسؤول فصيل كاد ينساه
الفلسطينيون خارج الوطن وداخله، وخاصة في داخله
حيث، تاريخيا، لا وجود عسكري ولا سياسي ولا نقابي
ولا إعلامي له هناك. الردود المتأخرة- بضع دقائق
فقط- صدرت عن ممثلي الفصيل الإسلامي الأكبر، حيث
تناهى إلى مسامعهم من داخل المسجد عن تلك اللوحات
"الداعرة" فهبّوا إليه كأسنان المشط المرصوص، إلا
أن مشيئة الرحمن تدخّلت، فكانت اللوحات قد انتزعت
من مكانها قبل وصول الفوج، وكان الله بالمخيّم
رحيما.
قبل نزع
اللوحات جرى نقاش- عقيم طبعا- بين صحافية أتت
لتغطي افتتاح المعرض، وهي المرأة الوحيدة هناك،
وبين من أبى إلا أن "يتزعرن" حفاظا على "الأخلاق".
هي تناقش مدافعة عن اللوحات كامرأة، وهذا
"الحِمِشْ" يصرخ، ينطْوِط، يتقدم ويرجع خطوة، ثم
خطوة جانبية، يشوبر بيديه، يغبّر الدنيا، لا يزال
يزعق- ولكنه لم يتشقلب- ونهاية أراد أن بنتزع
اللوحات من مكانها بيديه (اقرأ: رجليه).
الجرأة التي
تحلى بها راسم اللوحات في عرضها لم تكن عادية،
خاصة وأنه "لا ظهر له" من أي من الفصائل أو
المؤسسات أو حتى من اتحاد الفنانين الذي تحلّى
بموقف رخو متقهقر أمام فزعة الأشاوس تلك. وقد
"واسيته" بأنه محظوظ كون أصحاب الفصيل الإسلامي
الأكبر لم يلحقوا بلوحاتك وإلا لضربوا المعرض
بصواريخ قسّام 2.
قد ترفع
الحادثة من عتبة الجرأة في أنشطة المخيم القادمة،
وإن بحذر، وهذا بحد ذاته خطوة مهمة إلى الأمام في
مجتمع تسيطر عليه الأعراف الاجتماعية المحافظة
نسبيا.
لكن في
المقابل، تحالف "زعرنة/أصولية" هو الذي فرض سطوته
وشروطه في النهاية. في مخيّم يغلب فيه الخيار
الوطني اليساري/الليبرالي سياسيا، لا يزال هنالك
تخلّف اجتماعي وثقافي، لم يواز الوعي السياسي،
تخلّف يمتطيه عادة أحد اثنين: إما فصيل فضّ أهالي
المخيم أياديهم منه وكاد يتلاشى من ذاكرتهم
الجمعيّة، وإما فصيل إسلامي كحماس، يمتطي ما هبّ
ودب إن كان في ذلك توافقا مع المزاج العام، وهو
مزاج محافظ بالإجمال، ليُسيّس فئويا.
وعادة يُوزّع
بعد حفلات كهذه "ستيكارات" عليها شعار حركة
المقاومة الإسلامية، أو صورا لخالد مشعل.
|