|
سليم البيك
سيتردد منذ
الآن على الصفحات الثقافية للصحف العربية في
تقارير ومقالات اسم تلك الجزيرة المتاخمة لجزيرة
أبوظبي، والمعدّة لتكون الواجهة الثقافية والفنية
للمدينة. بعد وصل الجزيرتين بجسر الشيخ خليفة صارت
المسافة من وسط أبوظبي إلى أي باركينج في جزيرة
السّعديّات قد لا تستغرق 10 دقائق، مع أخذ الرادار
وعجقة السير وإشارات المرور بعين الاعتبار.
الجزيرة التي
مازالت قيد الإنشاء افتتحت معرضها الأول وكان
"اغتراب مرة ثانية: نهوض وتداعي المدن العربية"
والذي سيستقبل الزوار إلى 20 فبراير 2010.
لابد من
الحديث عن "السعديات" كفكرة وكمشروع بمقالات أخرى
تتناول المتاحف الثلاثة التي ستُفتتح عام 2013،
وهي: متحف زايد الوطني، اللوفر أبوظبي، جوجنهايم
أبوظبي، إضافة إلى دار المسارح والفنون، وجميعها
يُتوقع لها أن تكون علامات فارقة في المنطقة،
ووِجهات لما يمكن تسميته بـ "السياحة الثقافية".
أما هنا فسأشير فقط إلى معرض "إغتراب.."، وتحديدا
إلى الفنانين والموضوعات الفلسطينية والتي تشكّل
الغالبية العظمى من الأعمال المشاركة، ربما لأن
الفلسطيني أكثر مَن تغرّب من بين العرب، بين لجوء
ونفي وتهجير واغتراب (وشْحار). ومدنه هي أشدّ ما
تداعت من بين المدن العربية، من عكا شمالا، إلى
غزة جنوبا، مرورا بالقدس وغيرها.
من الأسماء
الفلسطينية المشاركة هنالك طارق الغصين، وأتى عمله
كسلسلة فوتوغرافية بعنوان "سلسلة د 2" تتناول
قرارات للأمم المتحدة، وخصوصا تلك التي تتعلق
بقضايا رسم الخرائط والنزوح الفلسطيني، وهي عملية
سبر واكتشاف مستمرة لفحص العلاقة ما بين الموضوع
والمكان، وخصوصا المكان بين الشكل المنعزل والبيئة
المؤقتة، ويتضح ذلك عبر سلسلة الصور المشكلة
للعمل.
هنالك أيضا
آيرين أنسطاس ورينيه جابري في عملهما "بِجوزْ
الكُل بِعرِف"، وهي سلسلة أفلام فيديو توثق
لقاءاتهما مع الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة،
الذين يعيشون حياتهم اليومية وهم يفكرون كيف
يقاومون ويصارعون من أجل البقاء. وكل فيلم هو
عبارة عن رحلة خاصة إلى القدس والنقب واللد وبيت
لحم وبلعين وغيرها من المدن والقرى الفلسطينية،
تصوران فيه ما تلتقطانه من مواقف وتفاصيل يومية
لحياة الناس المعاصرة هناك وصمودهم، والأبعاد
النفسية والاجتماعية والسياسية لذلك.
إضافة إلى
أفلام الفيديو، كانت هنالك مشاركة سينمائية للفيلم
التسجيلي "المذبحة" للمخرجة مونيكا بورغمان.
بتناول الفيلم المجازر البشعة التي ارتكبتها
"الكتائب اللبنانية" في مخيمي صبرا وشاتيلا، من
خلال مقابلات مع 6 أفراد من تلك الميليشيا يروون،
بسادية مقزّزة، تفاصيل التنكيل والاغتصاب والتمثيل
بجثث أهالي المخيمين، ويروون كذلك عن التدريبات
التي تلقونها على يد الجيش الإسرائيلي في فلسطين
المحتلة.
وشاركت منى
حاطوم بتجهيز هو عبارة عن قطع صابون زيت الزيتون
"الغار" وخرز بعنوان "توتّر حاضر". رسمت على قطع
الصابون النابلسي وبخرز زجاجي صغير أرجواني على
سطحها، المناطق المحددة التي تشير إلى الأرض التي
كان من المفترض أن تُعاد إلى السلطة الفلسطينية
بناء على اتفاقية أوسلو. فبدت كأنها جزر تضمر، دون
أي كينونة أو استمرارية بينها على الصابون، هذه
المادة الذائبة، وعداً بأنها ستزول ومعها تلك
الحدود السخيفة.
وأيضا "وين
العرب؟"، العمل الأدائي لسماح حجاوي، وهو مداخلة
في الساحات العامة. عمل تفاعلي كهذا يترك مساحة
لمشاركة الجمهور وإقحامه في العمل الفني، وهو يبحث
في موضوع الهوية العربية وفي كيفية إدراك الشارع
والجمهور لفكرة الوحدة العربية.
وفي تجهيز من
مواد متنوعة، قدم وفا حوراني "قلنديا 2047" وهو
نموذج مفصّل عن تصور الحياة اليومية في المخيم بعد
100 عام من تهجير الفلسطينيين من بيوتهم الأصلية
إلى المخيمات. لا يخلو هذا العمل من السخرية
المرة، حيث تتحرك سيارات لعب، أمام خلفية من
المرايا المعلقة على الجدار العازل لتخلق مساحة
وهمية لأولئك المحاصرين هناك، في توقع مستمر
بالتغيير وخلق مساحة مفتوحة لا نهائية توصل أهالي
المخيم يوما ما إلى بيوتهم التي هجّروا منها عام
النكبة.
وكان لعلي
الجابري في المعرض دفاتر رسم ويوميات وكولاج
بعنوان "رحلة العودة"، تستمد أعماله الإلهام من
المواقع التاريخية والمشاهد اليومية مصورا محيطه
الشخصي والوضع السياسي والاجتماعي الزائف والمفكك،
بأسلوب ساخر من المستعمرين، وكذلك من القادة
المحليين الذين لا يكترثون لأمر الناس البسطاء.
يأتي معرض
"اغتراب مرة ثانية" كاستمرارية لـ "اغتراب، فنانون
عرب معاصرون من الشرق الأوسط" والذي أقيم في بيت
ثقافات العالم في برلين عام 2003، ومركّزا على
فكرة تكرار الأخطاء القديمة ذاتها، والفرص الضائعة
والصراعات على القوى والتي لا تؤدي إلا إلى حياة
ضائعة ومجتمعات تشعر بالمرارة وخيانة القيم
الإنسانية، كما قال جاك برسكيان، المقدسي، ومدير
المعرض.
"اغتراب.." هو
المعرض الأول على جزيرة السعديات، المعارض
والفعاليات الفنية والثقافية بدأت تأخذ مكانها على
أجندة الجزيرة، ولن ننتظر كثيرا كي نلحظ اسم هذه
الجزيرة يتردد على الصفحات الثقافية، لكن بكل
الأحوال لا نستطيع إلا انتظار زايد الوطني واللوفر
وجوجنهايم ودار المسارح والفنون.
وإلى حينه،
الفرصة سانحة للتعرف أكثر على "إغتراب مرة ثانية"،
وعلى نماذج من الفن الفلسطيني المعاصر.
|