|
سليم البيك
أحب البحر،
ولأني أحبه وولدت وكبرت إلى جانبه ذهبت إليه فور
وصولي إلى بيروت في الصيف الماضي، والبحر هناك ليس
كالبحر الذي أعرف، في أبوظبي.
أردت أن أرى
المياه في صورتها الأقرب إلى البحر في الجليل،
قليلا نحو الجنوب من بيروت.
امتداده كان
مختلفا عن الذي أعرف، صوت أمواجه، لونه، رائحته.
هدأت قليلا وصرت أنصت إلى أمواجه وفكّرت: لابدّ أن
البحر جنوبا ببضعة كيلومترات لن يختلف كثيرا. ليس
هو ذاته ولن يكون، لكني أنصت الآن إلى البحر
الأقرب في هذا العالم إلى بحر عكا وحيفا. للبحر في
بيروت رائحة تكاد تُلمس، رائحة التراب وملوحة
المياه.
أرجع أفكّر:
لابدّ أنها الأقرب لرائحة البحر في الجليل وملوحة
مياهه وكثافة أزرقه.
كان يكفيني
ذلك الصوت وتلك الرائحة لأبكي بهدوء في حضرة البحر
الأقرب لبحريَ القريب، بضعة كيلومترات جنوبا.
حاولت حينها،
ولو مؤقتا، تجاهل ما اعتراني من شعور، فأنا أحتاج
أسبابا أقل للبكاء، أحاول الاختصار منها قليلا،
لكني أكتشفت، وليس متأخرا، أن في فلسطين أسبابا
تفيض عن قدرتي على الاختصار.
ثم لاحقا، لم
أنس تلك الرائحة التي كادت تتكثّف على أصابعي، ولا
ذلك الصوت المالح الحنون المتوجّع، فحاولت نسيان
محاولاتي لنسيان ذلك الشعور علّه يرحل لوحده
خائبا.
ثمّ، بعد أن
ظننتُني قد نسيته، كان لابد لتلك الرائحة أن تذكّر
بأنها لا تزال هناك، في مكان ما في لاوعيي، وذلك
الصوت كان لابد له أن يطلّ برأسه ليطمئن إلى وجوده
في ذاكرتي حين وعدتني تلك الجنوبية بجولة إلى
الجنوب وإلى بحر صور وهو الأقرب لبحري، بضعة مترات
جنوبا. بل وجنوبا أكثر، وعدتني بجولة إلى الحدود.
كنّا على مقعد
أمام بحر أبوظبي فاقد الصوت والرائحة حين أخبرتها
برحلتي اليتيمة إلى بيروت وبأنها كانت ليومين لم
ألحق فيهما أن أزور الجنوب، تلك البقعة الأقرب إلى
الجليل في هذا الكون، والتي يمكنني زيارتها.
فوعدتي بأني إن أتيت هذا الصيف فزيارتي للجنوب
وبحره والحدود مع توأمه الجليل، ستكون مهمّتها.
لم أخبرها
حينها بأني كنت أستطيع تمديد زيارتي لبيروت وركوب
تاكسي من هناك أخبره: إلى أبعد ما يمكنك جنوبا
أقرب ما يمكنك إلى فلسطين، وبأني لم أفعل. ولم
أخبرها بأني كنت أنتظر أن يتنهي اليومان لأغادر
قبل أن أفعل وأُجن وأتجه قليلا نحو الجنوب.
لعلّها تقرأ
الآن أسطري هذه، ولعلّي أكتبها لألزم نفسي بالذهاب
هذا الصيف، لأُحرجني، لأحاول تخطّي تلك الهشاشة
القاسية، هشاشتي التي لا تستقوي إلا عليّ كلّما
تعلّق الأمر بشيء قاس في هذا العالم، شيء لا يكتفي
من غيابه ولا يتعب من حضوره، شيء اسمه جليل فلسطين،
جليل الكون كلّه.
كلّما فكّرت
بوعد تلك الجنوبية، ابنة صور، شعرت ببكاءات تموج
في صدري، تتوعّدني، أخاف من الفكرة ثانية، أتردّد،
أصرف عني فكرة الذهاب إلى لبنان أساسا. لكني أرجع
وأفكّر: إن ذهبت إلى الجنوب سأزور بحرا قد تكون
مياه شاطئه التي ستبلّل قدماي قادمة من عكّا.
أتراجع، ثم أتراجع عن تراجعي، أصمت، أهدأ وأنصت
لتلك البكاءات تموج وتهدد، ثمّ لا أتّخذ قرارا.
لابد أني أضعف
من اتخاذ قرار حيال ذلك، أعي ضعفي، فأقرّر كتابة
هذا النص لألزم نفسي بألا طريق رجعة وبأني لابد
سأذهب، ولأفضح أمر تلك البكاءات علّها تهدئ من
روعها قليلا.
أو تخجل من
نفسها قليلا.
|