|
سليم البيك
لا تحتاج مونيكا بيللوتشي أن تقوم بدور عاهرة كي
تطلق نفير الليبيدو لدى مشاهديها. لكن صار أن
حضرتُ فيلمها Combien tu m'aimes? "بكم تحبّني؟"
وخرجت منه بحد أدنى من السلامة العقلية، أو هكذا
خُيّل إلي، لأكتب لاحقا هذه المقالة.
تسكن دانييلا
(مونيكا) مع صديقها- زبوها سابقا- المريض بالقلب،
والذي لا يملّ طبيبُه الخاص وصديقُه، وهو الآخر
يريد مضاجعة دانييلا، من الإلحاح عليه بأن لا
يمارس الجنس مع أي كانت كي لا يتعرّض لنوبات
قلبية. فكيف لو كانت صديقته دانييلا (أي أن تكون
مونيكا، وتكون فوق ذلك عاهرة) الملاحظة الأخيرة
منّي وليست من الطبيب.
لاحقا، وأثناء
زيارة الطبيب لصديقه، يعترف الأخير بأنه ودانييلا
قد مارساه، فيضطر الطبيب لقياس ضغطه، ويسأله إن
كانا "مارسا الحب" في الغرفة- ليؤثّث لخيالاته عن
دانييلا ربما- فتفزّ له الست دانييلا (ويا لتلك
البراءة البيللوتشية) وتجيب بأنهما كانا في
السيارة، وأنهما بالتالي مارسا الجنس وليس الحب،
ففي السيارة يمارس الناس الجنس، وفي الغرفة
يمارسون الحب.
وهذا- من بعد عُهورة مونيكا- أكثر ما لفتني في
الفيلم، الفرق بين make love وhave sex
بالإنجليزية وبالفرنسية. حاولت أن أستحضر عبارة
باللغة العربية تقابل الـmake love \faire l'amour
هذه، ولكني لم أجد غير "ممارسة الحب" والتي تبدو
ترجمة آليّة سطحية حَرفية للعبارة الإنجليزية أو
الفرنسية أكثر منها عبارة عربية متأصلة في لغتنا
المُشبّعة بالفحولة والعنفوان.
للموضوع
أبعادا سيكولوجية قد تكون مقلقة إن حقا خلت لغتنا
من عبارات، متأصلة فيها وليست مستحدثة، تدل على
الجنس بأنه عملية ممارسة فعلية للحب تحوي عناصرها
الثلاثة حسب ثيودور رايك: الحب (العاطفة والحنان)
والجنس (الحافز الغريزي) والأنا (الرغبة في تملك
الشريك وكذلك الرغبة في أن يكون الشخص مرغوبا)،
وليس مجرد عملية تفريغ فيزيائي لتوتّر داخلي، كما
يفعل الفرنسيون في السيارات عادة.
فور انتهاء
الفيلم هرعتُ إلى مكتبتي و"القاموس الجنسي عند
العرب" تحديدا، متأملا أن أجد شيئا أكثر "حبيّا"
من كلمة "ضاجع" مثلا، لكني وجدت كل الحماسة
والعنفوان العربيين في الكلمات الدالة على هذه
الممارسة، أما شروحها فهي انتكاس بحد ذاته. ومن
هذه الكلمات/الأفعال مثلا هنالك: بضع، بطش، بغل،
بيظ، جثم، جخع، جظظ، جلخ، جلد، حرث، حرق، حشأ، حفر،
خجأ، خجج، خرط، خرق، خفج، خقق، خوش، دحس، دسس، دعس،
دعمظ، دكك، دهك، ذقط، ذغغ، رطم، رفش، ركب، زخخ،
سطا، شأز، صلب، ضهز، طبز، طخخ، طرق، طعج، طعن، طفش،
عرفج، عزط، عفص، فتح، فرم، قرف، كبس، لزق، لقح،
معس، معط، نخج، نيك، وأد، وطأ... الخ الخ الخ.
قلتُ لِحالي
ما لك غير كتب التراث "يا ولد"، ففتشت "ع السريع"
في "رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه"
و"أوقات عقد النكاح" و"الروض العاطر في نزهة
الخاطر" و"كتاب الإيضاح في علم النكاح" وغيرها،
ولكني- والعزّة للمسلمين- لم أجد ضالتي.
حاولت لأسابيع
أن أغض النظر عن الموضوع وأتناسى ما سمعته في
الفيلم.
***
بعد فترة..
كنت أقرأ كتاب "سيكولوجيا العلاقات الجنسية"
لثيودور رايك، الكتاب صدر في الخمسينيات، ورايك هو
من تلامذة فرويد وكان من شلّته قبل أن يرتدّ عنه.
يذكر رايك في فرضياته أن الشعوب البدائية كانت
تمارس الجنس كحاجة غريزية فقط، وأنه لم يكن هنالك
ما يُعرف اليوم بأنه الحب، وأن الحب تطوّر مع
الزمن، وأنه نتاج حضارة وثقافة وبالتالي هو أكثر
تطورا وتعقيدا في المجتمعات الحضارية أو المتقدمة
منه في المجتمعات البدائية أو المتخلّفة. وفليفرحن
النساء، قال أيضا بأن النساء قديما علّمن الرجال
الحنان والعاطفة في العملية الجنسية كي يخففن من
وطأة عنف وسادية ووحشية "وجَحشَنة" الرجال التي
كانت تسيطر أثناء العملية (ولم يفعلن ذلك حبا في
الحنان) وهذا الحنان كان أساس ما تطوّر لاحقا
ليعرف بأنه الحب.
حسنا، هذا فقط
تلخيصي لعدة فصول من الكتاب. وهي، أي الفرضيات،
ليست بالضرورة صحيحة، غير أني أميل لتصديق مسألة
اختراع النساء للحب كونه أتى عن ذكاء ودهاء (عن حق
طبعا). ورايك نفسه يقول بأن ما يطرحه مجرد فرضيات
سيكولوجية قد تُفنّد بغيرها، زِد على ذلك أن رائحة
عنصرية وطبقية فاحت من كتاب رايك هذا، الذي قال
أيضا بأن الحب يكون أقل تطورا عند الأقليات وبعض
الأعراق والطبقات الفقيرة وفي الشرق إجمالا، وأن
ذلك ينعكس على ممارساتهم الجنسية، وهذا ما جعلني
أرجع للفيلم ولعبارة دانييلا.
كان لابد، إذن،
أن أرجع للفيلم بعد ذلك، ثم لكتبي علّي أجد شيئا
في لغتنا يدلّ على أننا لسنا من يفعل في الغرف فقط
ما يفعله الفرنسيون في السيارات، وأن الحب عندنا،
وبالتالي "ممارسته"، ليس -إن صحّت فرضية رايك- أقل
تطورا وأكثر بدائية، وكأننا نتكلم عن عمليات تخصيب
اليورانيوم.
ولكني على كل
حال لا أفترض صحّة عبارة رايك العنصرية، وأفترض
فقط صحّة عبارة دانييلا العاهرة. فليَحِل رايك إذن
"عن سما" هذه الأسطر.
أما بخصوص عبارة دانييلا وإن كان ثمّة ما يقابل
make love في لغتنا، فسأعتبر أنّ دانييلا استثناء،
أنّ مونيكا بيللوتشي استثناء وأنها حين تقوم بدور
عاهرة ستُوجِد فرضياتها وقوانينها الخاصة ولا حاجة
لأن تكون هي "الاستثناء" حينها، وعليّ أن أبحث
أكثر في لغتنا كي أجد ما يتفق ومنطق تلك العاهرة
دانييلا، فأطمئن لحالنا.
***
لكن لحظة..
حسب رايك هذا، فإن الجنس عند العاهرات هو جنس محض،
يخلو من عنصرَي الحب والأنا، أي أنه، ضمنا، من نوع
"السيارة" وليس "الغرفة". طيّب، لكن صديق دانييلا
حينها كان قد أصبح صديقها ولم يعد زبونا عندها،
وهي، أصلا، تسكن عنده. إذن، فعليّا، لم تكن مونيكا
تقوم بدور عاهرة في الفيلم، بل كانت تعتني بصديقها
"العكروت".
إذن شو مشكلة
رايك مع مونيكا بيللوتشي؟
أففففف
خلص، سأنهي
المقالة هنا، وانسوا الفقرة الأخيرة تخرجوا سالمين.
|