عمّي علي.. أنا.. برشلونا

 

 

سليم البيك 

 

    سعيدٌ بعدم معرفتي بكرة القدم، وبالتشامبيون ليج تحديدا، وبتجاهلي الكلّي للمونديال، وبأميّتي الفظيعة فيما يخصّ أسماء اللاعبين والمدرّبين والمدراء التنفيذيين للأندية الأوروبية.

    إذن أفتقر لتلك "السوسة" التي تملك أن تهدر من الوقت ثلاث ساعات متتالية، فلم تعد مشاهدة المباراة تكفي، هنالك التحليلات التي تسبق وتتخلل وتلحق المباراة. أفضّل استغلال الساعات الثلاث هذه في مشاهدة فيلم والـ Bonuses التي ترافق الفيلم عادة في الـ DVDs، وحتى ذلك لا يمكن مطّه لثلاث ساعات.

    لكن على كل حال، لابدّ أن يطالني شيء ما (طرطوشة) من هذا الاستقطاب العالمي بين برشلونا وريال مدريد، لابدّ أن أتخذ موقفا حيال ذلك كي لا أعزل نفسي عن حركة التاريخ، كما لابدّ على جميع فصائل العمل الوطني تحديد مواقفها وبكل وضوح (طبعا ستكون فتح مع ريال مدرير).

    يمكنني الادعاء بأني مازلت محافظا على نعمة الله عليّ بنفوري من مباريات كرة القدم. لكني لاحظت (مؤخرا فقط) اهتمامي بالنتائج، أتصّل بعمّي علي الذي يكبرني ببضع سنوات فقط، وهو من صقور مشجعي برشلونا وأكثرهم تطرّفا (والله لا يعلّق مدريدي بين إيديه) أتصل به أسأله عن النتيجة وعن ليونيل ميسّي وعدد الأهداف التي أحرزها (ومؤخّرا فقط حفظت اسم ميسّي).

    بداية أتمنى أن لا أسوق حالتي إلى المزيد من التدهور، أن أكتفي بالسؤال عن النتيجة فقط لا غير، فكلّما فكّرت بإمكانية هدر أكثر من ساعتين على مباراة، أحمد الخالق أني لست ممن ابتلوا بتلك "السوسة"، فإعادة مشاهدة فيلم كـ Vicky Cristina Barcelona (تأليف وإخراج وودي ألن، وتمثيل بينلوبي كروز وسكارلت جوهانسن) لأكثر من خمس مرات أحسن لي من مشاهدة خمس مباريات مختلفة لبرشلونا، وإن كانت تقضّ فيها مضاجع ريال مدريد.

    لكنني سأعترف أن ميلا ما تجاه نادي برشلونا بدأ يفقس في مكان ما في نفسي، ربما بدأ ذلك بسؤال عن النتيجة وعن الحال واطمئنان من وقت لآخر باتصال (خصوصي) أجريه مع عمّي، ربما يقف ميلي عند ذلك وربما يتدهور. لكني حقا أتمنى أن تقف الأمور عند هذا الحد.

    حين عرض فيلم Vicky Cristina Barcelona في السينما سمعني عمّي- فعليا استرق السمع- أتحدّث على التلفون عن الفيلم وأنه لابدّ سيكون جميلا (فيلم لألن وفيه كروز وجوهانسن إضافة إلى خافيير باردم بأدائه الرائع)، فحمل عمّي حاله وأسرع إلى السينما مباشرة ليشاهد الفيلم الذي يتكلّم عن.. Barcelona.

    في اليوم التالي قال لي: يقصف عمر هيك فيلم يا ابن أخوي، ما خصّه ببرشلونا. يقصد فريق كرة القدم طبعا. أنا لم أفهم الموضوع لأول وهلة، لكني استوعبت سريعا وحاولت تعزيته بأن بينلوبي كروز وسكارلت جوهانسن مثّلتا فيه: الامرأتان في فيلم واحد يا عمّي. لكن عبثا. لاحقا استطعت تهوين الأمر عليه، كونه أضاع ساعة ونصف في مشاهدة الفيلم، حين ذكّرته بأن التصوير كان حقا في مدينة برشلونا.

    أما أسبابي التي أجدها مقنعة لتشجيع برشلونا فهي غير كرويّة بالمرة. أولها أن هذا الفريق يمثّل ولاية كتالونيا وهؤلاء مثلنا نحن الفلسطينيين يطالبون بحق تقرير المصير وبدولة خاصة بهم- لكنهم يتميزون عنّا بأن ليس عندهم لا فياض ولا عباس- عرفت ذلك بداية حين رأيت على You Tube مقطعا من مباراة كرة سلة بين برشلونا (على ملعبه) ومكابي حيفا الإسرائيلي، حيث فزّ إلى الملعب عدد لا بأس به من الجمهور الكتالوني يحملون الأعلام الفلسطينية، غير تلك المرفوعة في المدرجات، ورُفعت لافتة عريضة مكتوب عليها "دولتان.. شعبان"، على يسارها كان العلم الكتالوني وعلى يمينها العلم الفلسطيني، ما حفّزني لمعرفة المزيد عن كتالونيا وعاصمتها برشلونا.

    سبب آخر هو رفض النادي، منذ تأسيسه عام 1899، إلصاق إعلانات على ملابسه لأن: العلم الكتالوني لن تُلصق عليه إعلانات تجارية. بل هنالك إعلان لليونيسيف، هم من يدفعون فيه للمنظمة كتبرّع سنوي لدعم برامجها، وقد أحببت ذلك.

    وهنالك أسباب أخرى كاستمرار وإلحاح عمّي على تسمية فريق برشلونا بفريق "طرشيحا"، وسبب آخر أن صديقا لي من القدس أخبرني بأن إسرائيليا رفع عند بلكون بيته علم إسرائيل وكان بلكون صديقي يطلّ عليه، فما كان منه، وهو الذي لم يستطع رفع علم فلسطن، إلا أن رفع علم برشلونا.

    رغم كل ذلك، سأفضّل ألا أشاهد أي مباراة لكرة القدم، سأكتفي بالسؤال والاطمئنان على النتيجة، وسأبقى أشجّع، للأسباب المذكورة، جميع فِرق برشلونا، لكني لن أشاهد مبارياتهم، خاصة وأن بينلوبي وسكارلت لا تلعبان مع ميسّي.