|
سليم البيك
كنت أحضر فيلم La Dolce Vita للإيطالي فيديريكو
فِلّيني حين فجأة لمعت برأسي تلك الـ Déjà vu- وهو
الشعور الأكيد بأن أمرا ما حدث من قبل أو تمت
رؤيته تماما كما يحدث أو تتم رؤيته الآن- فتمهّلت
قليلا لأستوعب ما الذي يحصل، عند آخر هذا النّهار.
لا يربط بين
أي مشهد في الفيلم وأي مشهد آخر أي رابط منطقي، بل
ربما لا يربط أي مشهد بنفسه أي رابط منطقي.
حسنا، أحب هذا
الغموض والضياع العبثي في السينما والتشكيل
وأحيانا في الأدب، لكن ليس في السياسة.
لا شكّ أن سياسيي رام الله مبدعون ولكن في مجالهم،
أي في السياسة، وواضح أنهم اختاروا تيّار العبثية
Absurdism ليطرطشوا بإبداعاتهم علينا، رغم أنهم لا
يفتؤون يردّدون أن سياستهم واقعية. ورغم أن الفرق
بين العبثية والواقعية تماما كالفرق بين رئيسهم
وتشافيز أو مارادونا.
على كل حال
صار الذي صار وذكّرني الفيلم، آسفاً، بسلطة رام
الله.
(كنتُ "بلعتُ" هذا الربط بين الفيلم والسلطة لو أن
أحد أبطال "جمهورية رام الله" كان "سكسيّا" كبطل
أفلام فِلّيني والفيلم المذكور تحديدا، مارتشيللو
ماستروياني، ولكن حتى هذه "مش ظابطة مع ربّهم".
يبدو أن للربط والـ Déjà vu هذه محفّزات أخرى.)
أوقفت الفيلم
وصفنت قليلا، محاولا تذكّر متى وأين مررتُ بهذه
المشاهد من قبل، أعرف جيدا أنني أشاهد الفيلم
للمرة الأولى، ينتابني شعور قوي أنني شاهدته منذ
زمن، بل وشاهدته وخبرت ما فيه مرارا، وأنه حقا
مألوفا جدا لدي، لكني استبعدت الربط الفوري بين
ماستروياني وبين أحد عابثي رام الله.
ثمّ لم أستغرق
وقتا ولم أبذل جهدا لأربط ذهنيا بين الفيلم العبثي
(كتيّار في السينما) وبين السلطة العبثية (كتيّار
في السياسة).
كما في الفيلم
حيث لا شيء خصّه بأي شيء آخر ولا حتى خصّه بنفسه،
فالسلطة "الفِلّينية" لا لشيء عندها خص بأي شيء
آخر: حق عودة، أرض 48، غزة، أسرى، مستوطنات، جدار،
حواجز... وأمور كثيرة يبدو أن السلطة لم تهتدِ بعد
لربط منطقي بينها كلها وبين بعضها، أو حتى بين أي
منها وبين ذاتها، عدا عن أنها غسلت يديها من أهم
قضيتين، وهما حق عودة اللاجئين إلى قراهم ومدنهم
في الجليل والمثلث والنقب، والتمسك بفلسطينية هذه
المناطق، المحتلة عام 48.
أرى أن الفن
بكل أجناسه، لا يجب أن يوضع تحت مساءلة الفهم من
عدمه، لأن القطعة الفنية (سينما، أدب، تشكيل..) لا
بد لها من مواقع غامضة فيها تضمن صون وتجدّد
جماليتها، كما أنها تتغذى من ذاتية الفنان. لكن
الأمر غير ذلك في السياسة، حتى وإن تجاوزنا حالة
الإبداع والخلق الدائمة (واااو)، وكذلك الذاتية
المفرطة (يعئ)، عند سياسيي رام الله.
الاستنتاج الوحيد الذي توصّلت إليه يكمن في أن
الإبداع عند هؤلاء السياسيين يفوق قدرة الشعب،
وأنا من بينهم، على الفهم. ربما هم مبدعون لأني
أساسا لا أفهم عليهم، ربما هنالك حقا تيّار
العبثية في السياسة وهذا ضرب من الفن والإبداع،
وأنا وهذا الشعب المشحّر لا نملك ما يكفي لا من
الذائقة الفنية ولا من الثقافة ولا الرفاهية
لاستيعابه، ولا نحن نحب الحياة بما يكفي لذلك،
أليسوا هم يحبون الحياة، الرقص والغناء والموسيقى
والمقاومة السلمية (ياااي)؟ أليست تلك هي الحياة
الحلوة؟ أليس هذا هو اسم الفيلم: La Dolce Vita؟
|