"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

استدراكاً لما كُتب
(ويليام نصار)

 

 

سليم البيك 

 

    انتظرت قليلا قبل التشطيب على مقالي هذا ونشره، بل أني قررت أن أبقيه في غياهب كمبيوتري، في لاوعي "هارد ديسك"ـه المثخن على بكرة أبيه، علّي أكتشف خلاف ما توقعت. ولكن مقالا للفنان الشيوعي الذي يعرّف عن نفسه تارة بأنه لبناني وتارة بأنه فلسطيني حفّزني على التراجع قليلا. تلقفت المقال عبر الإميل من صديقة، أرسلَته بدون تعليق تترقب تعليقي بعد قراءته، وصلها من "رفيقة" أرادت أن تعمم المقال، رفيقة كنت قد طلبتُ منها راجيا أن تخفف من وتيرة ووطأة إميلاتها، أو أن تستأصل إميلي من عندها، فإميلاتها من تلك التي تهجم على البريد دفعة واحدة كالضربة القاضية، محمّلة بمقالات وبيانات نارية على وشك التحرير من رفح إلى رأس الناقورة وبلاد الرافدين ومزارع شبعا وكفر شوبا، والجولان وصولاً إلى كوبا.

    يعنون ويليام نصار مقالته بالتالي: رسالة إلى حركة فتح وفصائل اليسار الفلسطيني. يبدأ رسالته بمقدمة رائعة تقدم حبّاً جمّاً لوطن اسمه فلسطين، طربت للمقدمة وصرت أقرأها مرارا من فرط فتنتها. ولكن، يحق لي أن أسأل كيف ولماذا كلمات الحب هذه ومن شخص قال عن فلسطين بأنها أم تأكل لحم أبنائها وبأنها تحب الدماء.

    حين سمعت خبر رفضه للجائزة تواصلت معه وكتبت تقريرا يحوي أجوبته على بعض أسئلتي التفصيلية لأغني الخبر، عأساس. وحاولت تعميم قضيته، ولكن بعد أن كتب ويليام إميلا لصديقي وصلني منه cc، أي نسخة، يكتب فيه: Palestine loves blood not music، وكتب لآخر إميلا وصلني منه bcc، أي نسخة برّاني، "الفلسطينية تأكل لحم أبنائها"؟ أحسست عندها بأن كمبيوتري بدأ يهلوس وأن جلسات الفرمتة قد حان وقتها. وحين قرأت رسالته بعد ذلك، بمقدمته الغزلية، بدأت أسأل وأنكْوش رأسي.

    هل تبرر المقدمةُ الأسطرَ اللاحقة في رسالته المصوبة على اليسار الفلسطيني، فتبدو كحبة بنادول تُطرب وتُطمئن دماغ القارئ وتسهّل عليه تصديق ما يلحق هذه المقدمة الغزلية؟

    ألم يكفها فلسطين استهلاكا ومتاجرة وتقديسا منتهكا؟

    ينتقد السيد ويليام اليسار الفلسطيني الذي، حسب رأيه، وقف مع فتح في مواجهة حماس. طبعا المقال يعجّ بالمغالطات بحق هذا اليسار، مغالطات يَلزَم وجودها لتبرير وتهيئة القارئ لموقف السيد ويليام الجديد من هذه الفصائل، وخاصة الفصيل الأقرب له، كما أعرف ويعرف الكثير، وهو الجبهة الشعبية. هنا أنقل سؤالا من جملة الأسئلة العديدة التي سألها ويليام في مقاله، وهو محق في بعضها ولكن ليس في هذا ولا في معظمها: "كيف يمكن لليسار الفلسطيني وتحديدا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن تتبنى مواقف بعض القيادات الفتحاوية من الحكومة الجديدة؟ أليس هذا اشتراكا في المشروع الصهيو-أمريكي؟"

    سؤال كهذا، ومن مثقف كويليام، لا يمكن أن يُطرح- أرضا- اعتمادا على تحليلات الطارح، صالحا كان أم طالح. هنا بالذات أنتقل إلى قصة الجائزة التي "رفضها" ويليام.

    بدأتُ مقالي هذا بأني انتظرت قليلا قبل مراجعته ونشره، كنت أنوي كتابة مقال عن الجائزة التي أشاع الفنان ويليام أنه حصل عليها فرفضها لرفضه مصافحة المغنية الصهيونية... الخ الخ الخ، وقد كتبتُ في القدس العربي تقريرا عن الموضوع استقيته أساسا منه شخصيا(عدد 31، أيار/مايو، 2008)، لألاحظ لاحقا بأن إشارات استفهام بدأت تفقس هنا وهناك، تستفهم عن الموضوع كله. خاصة بعد أن سألتُ بعض الأصدقاء في كندا عن القصة فقالوا بأنهم سمعوا عنها من الصحافة العربية فقط، والصحافة طبعا- ليست ملامة- تأكدت من الخبر عن طريق ويليام نفسه، فهل من مصدر موثوق أكثر من صاحب القصة والقضية؟

    لم تُصدر الجبهة الشعبية- ولا أي فصيل يساري-  بيانا تضامنيا مع ويليام في شأن رفضه، المزعوم ربما، للجائزة. وهي، أي الجبهة، الأقرب إليه أو التي كانت، حسب ما فهمت من رسالته، فلا يمكن للرفيق ويليام أن يكون مقربا ممن "يشترك في المشروع الصهيو-أمريكي"! ذلك في الوقت الذي أصدرت فيه وزارة الثقافة الفلسطينية في غزة، يعني حماس، بيانا تضامنيا معه، وهي التي لا أتوقعها أن تكون على دراية مسبقة، ولا أقول كافية، بويليام. اعتمدت الوزارة على الصحافة طبعا، والتي اعتمدت بدورها على الفنان عينه. أما موقف حماس ومشايخها وبوليسها وجميع وزاراتها من الفن إجمالا، وإن كان بإمكان ويليام الغناء في ظل حكمها، فهذا موضوع (ليس) بآخَر.

    تحمستُ لويليام حين أرسل لي بيان الوزارة وكتبت مقالا تضامنيا معه، ولكن علامات الاستفهام فقست مشكورة قبل نشره. لا أدري إن كان لكل ذلك علاقة برسالة ويليام الأخيرة الحمساوية بامتياز، والأنتي-يسار بامتياز مماثل، الرسالة التي نبتت بعد أيام من بيان الوزارة التضامني، وبعد أكثر من سنة على أحداث غزة الدامية!

    أنا لا أكذّب ما قال ويقول ويليام والعياذ بالله من كل رجيم، أنا أطرح أسئلة على الملأ بعد أن آثر ويليام عدم الرد عليها عبر إميلاتي العديدة، وإيميلات غيري، طالبا منه تفنيد ما "يشاع" بأن قصة رفضه الجائزة مفبركة وأنها خيال بخيال، وأن يساعدني على فهم ما يحصل. وما دعاني إلى طرح أسئلتي الآن إلا التجنّي الواضح والملفت للنظر في رسالته على اليسار الفلسطيني والجبهة الشعبية خاصة، والتغزل بحماس، التجني والتغزل الذين جاءا بعد البلبلة في قصة الجائزة، ومرة أخرى أكرر، بعد أكثر من سنة على أحداث غزة.

    قبل كتابة رسالته الغزلية، وحين أرسل لي بيان وزارة الثقافة، كتب في الإميل ذاته بعد أن ترحّم على أبي علي مصطفى الأمين العام الشهيد للجبهة الشعبية، كتب واصفا اليسار الفلسطيني بأنه "قطيع شارد". هكذا إذن، وبكل بساطة، وفجأة أصبحت الفلسطينية تأكل لحم ابنها، وأنها التي تحب الدم لا الموسيقى، وأن يسارها بات قطيعا شاردا.. حلمك علينا يا ويليام.

    لكل ذلك علاقة برسالته وموقفه الجديد ربما، وتشكيك العديد ممن يعرفونه عن قرب بموضوع الجائزة ورفضه لها، وعدم رده عليّ وعلى غيري من أصدقاء مشتركين يسألونه عن الجائزة ومدى مصداقيتها، وصور من الحفل لن نختلف إن كانت بصيغة JPEG أو GIF. لكل ذلك رابط ما غير الصدفة.

    أحيانا نفكر قليلا، نربط، نحل، نستدرك، نعرف بأن الصدفة ليست دائما السيدة، وأن أمورا ما، قد تكون على علاقة ما، ملفتة غالبا، خاصة إذا نبتت في غير موضعها.

 

هنا الخبر الذي نشر في القدس العربي:

ويليام نصار: لست بحاجة لتلك الجائزة، ولتقطع يدي ألف مرة قبل أن أصافح ممثلة دولة محتلة لبلادنا

 

 

سليم البيك - القدس العربي

 

تنازل المؤلف الموسيقي والمغني السياسي اللبناني ويليام نصار – دكتوراه في العلوم الموسيقية - عن جائزة أفضل مقطوعة موسيقية في مهرجان الموسيقى العالمية في كيبيك حيث كان عليه مصافحة الموسيقية الصهيونية أيلينا أنحايل إثر المنافسة النهائية بينه وبينها، وهو الأمر الذي رفضه نصار قائلا: " لست بحاجة لتلك الجائزة ولتقطع يدي ألف مرة قبل أن أصافح ممثلة دولة محتلة لبلادنا وتقتل أطفالنا كل يوم، وإذا كان حصولي على الجائزة مرهون بهذا الشرط فأنا لا يشرفني أخذ جائزة على حساب محو ذاكرتنا ودماءنا."

هذا التصريح استفز لجنة المهرجان التي اعتبرته ردا غير دبلوماسي وغير ذي صلة بأهداف المهرجان والتي يراد منها نشر الثقافة الموسيقية، وجعلها تسحب الجائزة والتي تقدر بحوالي 60 ألف دولار بالاضافة إلى مجسم بيانو من الذهب الخالص.

إلا أن نصار أكّد على موقفه المبدئي مجيبا اللجنة بكتاب خطي أنه " لا يمكن فصل الموسيقى عن أي موقف سياسي أو قضية عادلة فالموسيقى بالأساس هي لتهذيب الروح فكيف يمكن لموسيقي أن يتبنى وجهة نظر دولة تمارس قتل أرواح الأبرياء في فلسطين ولبنان والجولان والعراق. عدا عن هذا الأمر فإن مشاركة الموسيقية الصهيونية في مقطوعة موسيقية تنسبها إلى التراث اليهودي وهي بالأصل لفنان العرب السيد درويش – يا بنات اسكندرية – هو سياسي بالدرجة الأولى. فبعد الهولوكوست التي تحصل في فلسطين ولبنان كل يوم وبعد الإستيلاء على أراضي فلسطين لا يسمح لي ضميري أن أتغاضى عن اغتصاب موسيقانا وثقافتنا وتراثنا أيضا من أجل الحصول على جائزة."

وأضاف نصار، " أعلم أن قراري هذا سيترتب عليه الكثير من المواقف وردات الفعل وربما تكون شخصية، إلا أنني أعتز بقراري هذا خصوصا أنه يتزامن مع الذكرى الستين لاغتصاب فلسطين وكأنها مصادفة مرتبة للتذكير بحق الشعب الفلسطيني في العودة إلى المدن والقرى التي هجر منها بالقوة، وهي أسوأ كارثة بشرية حدثت عبر التاريخ الإنساني والعالم كله صامت أخرس."

وفي سؤال للقدس العربي عن رؤيته لدور الموسيقى في صراعنا مع الصهيونية قال نصار: "صراعنا مع العدو ليس صراعا عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا فحسب، بل إنه صراع وجود، صراع من أجل الحفاظ على هويتنا الثقافية من الاندثار، فهذا الكيان يمارس أبشع أنواع محو المخزون الثقافي للشعب الفلسطيني عبر سرقة الدلعونا وظريف الطول وعاليادي اليادي..الخ ونسبها إلى أنها جزء من تراث هذا الكيان..(...).. بالموسيقى نقول للعالم بأننا شعب يحب الحياة ونكتب الشعر والموسيقى وننتشي برائحة البيلسان، إلا أن الموت مفروض علينا، ونحن نموت من أجل حياة أفضل لأطفال قادمين.

وفي معرض إجابته على سؤالنا عن إمكانية الموسيقى في التعبير عن قضيتنا، أكّد بأن أغنيته (على طريق عيتيت) " وبسبب لحنها المتسلسل دخلت أذن المستمع غير العربي، هذه الاستساغة الموسيقية دفعتهم للاستفهام عن معنى الكلمات، قمنا بترجمة كلمات الأغنية لأكثر من لغة، وفي كل أمسية غنائية أو موسيقية أقيمها، لا بد من أن أؤدي تلك الأغنية بالعربية والجمهور يرد اللازمة الغنائية بالإنجليزية أو الفرنسية. وهذا أكبر دليل على أننا باستطاعتنا التعبير وإيصال قضيتنا إلى العالم عن طريق الأغنية والموسيقى."

ويقوم وليام نصار حاليا بجولة فنية في كل من الولايات المتحدة الأمريكية، أستراليا، فنزويلا، كوبا والأرجنتين لإقامة أمسيات فنية في ذكرى النكبة، بدعوة من منظمة موسيقى بلا حدود والنادي العربي في هافانا.