|
سليم البيك
وكأنها
النبوءة الأخيرة لدرويش، أو أنها النبوءة الأخيرة
المعلَن عنها.
ابتسمتُ حين
قرأت تعليقه في احدى الصحف مؤخرا:
'أكره أن
يعبثوا بجسدي'
لم أقرأها
حينها كاحدى نبوءات درويش، بل ابتسمت لها بسذاجة،
خلتها مداعبة منه لأطبائه. تكلّمت مع صديق في
اليوم ذاته، نقلت له، ضاحكا، تعليق درويش وقلت:
حتى في الطريق إلى غرفة العمليات يتكلّم شعرا،
فليترك الشعر الآن وليفسح للطب أن يقوم بمهامه
وليخرج منها بالسلامة أولا وأخيرا، ثم كم جميل أن
يكتب الجدارية الثانية، لا أطيق انتظارها عاما
كاملاً أو عامين.
ولكن،،
أدركتُ مساء
السبت بأن تعليقه هذا ما كان موجها إلا للموت،
ساخرا منه، من جُبنه، من الطريق الذي قرر أن يأتيه
بها، إذ صرع درويشُ الموتَ في أكثر من ساحة،
وبأكثر من طريقة، سخر الآن من الموت أنْ تعال
إليّ، هي فرصتك، الأخيرة ربما، كي تنتقم لكل
معاركنا السابقة، سأكون تحت تأثير المخدّر على
السرير بين أجهزة التنفس. إن لم تفعل، سأنهض وأعبث
بك ثانية وثالثة ورابعة...
'أكره أن يعبثوا
بجسدي'
وكأن في جسد
محمود قهوته الصباحية ونبيذه المسائي، علم فلسطين
بألوانه الأربعة وأوراق، موسيقى وموعد لمشاهدة
مباراة كرة قدم، جمهوره في أمسية حيفا، أعواد
ناصريّة، قميص أعيد كيّه، حب شارد، وطن ممزّق،
ثورة راكدة، ونفي مزمن.
لم يُرد أن
يُعبث بأسباب شِعره. كان ما كان. فاختار أن يَخْلد
للموت، ليرتّب أوراقه ويبدأ من جديد، العاشق من
فلسطين، ولكن من هناك هذه المرة.
|